قصة الضابط في استخبارات الجيش الأمريكي الذي قاتل مع الإمام البدر بن أحمد حميد الدين.. وكيف أصبح «يده اليمنى» في اليمن؟

قصة الضابط في استخبارات الجيش الأمريكي الذي قاتل مع الإمام البدر
قصة الضابط في استخبارات الجيش الأمريكي الذي قاتل مع الإمام البدر بن أحمد حميد الدين.. وكيف أصبح «يده اليمنى» في اليمن؟
الأوراق اليمنية – صنعاء
وفق رصد صحيفة الأوراق اليمنية، تكشف سيرة بروس كوندي، المعروف في اليمن باسم عبدالرحمن كوندي، واحدة من أكثر القصص غرابة في تاريخ الحرب اليمنية؛ ضابط أمريكي خدم في مجال مكافحة التجسس والاستخبارات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتحول إلى رجل مرتبط بالإمام محمد البدر بن أحمد حميد الدين، ويقاتل في صفوف الملكيين بعد ثورة 26 سبتمبر 1962.
لم تبدأ قصة كوندي مع اليمن من السياسة أو الحرب، وإنما من الطوابع البريدية.
كان منذ طفولته شغوفاً بجمع الطوابع، وراسل الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، طالباً طوابع يمنية لمجموعته. وجاءه الرد من الأمير محمد البدر، ولي العهد آنذاك، لتبدأ مراسلات تحولت مع السنوات إلى صداقة وعلاقة وثيقة.
من ضابط أمريكي إلى عبدالرحمن كوندي
ولد بروس تشالمرز في كاليفورنيا عام 1913، ودرس اللغة الإسبانية في جامعة كاليفورنيا، ثم التحق بالجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية.
وتذكر صحيفة The Independent البريطانية في نعيه المنشور بعد وفاته أن خدمته العسكرية تضمنت العمل في مكافحة التجسس، وخاض خلالها تجارب عسكرية في أوروبا واليابان. وبعد خروجه من الجيش انتقل إلى بيروت لدراسة اللغة العربية.
وتشير دراسة المؤرخ آشر أوركابي إلى أن كوندي خدم في جهاز مكافحة التجسس بالجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم درس العربية في الجامعة الأمريكية في بيروت بمنحة عسكرية أمريكية.
الطوابع قادته إلى الإمام البدر
في عام 1953 وصل كوندي إلى صنعاء بدعوة من الأمير محمد البدر، وبدأ العمل في مجال الطوابع والبريد، مستفيداً من خبرته في جمع الطوابع.
وفي عام 1958 اعتنق الإسلام واتخذ اسم عبدالرحمن كوندي، كما تخلى عن الجنسية الأمريكية وحصل على الجنسية اليمنية وجواز سفر يمني، وفق المصادر التاريخية التي تناولت سيرته.
لكن علاقته بالسلطة الإمامية انتهت بخلافات، واتُّهم بالتجسس وأُخرج من اليمن عام 1960، بينما تشير روايات أخرى إلى أن خلافاته مع وزارة المواصلات ارتبطت بنشاطه في مجال الطوابع.
26 سبتمبر تعيده إلى البدر
بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 وسقوط نظام الإمامة في صنعاء، عاد كوندي إلى المشهد اليمني، واتجه إلى نجران للالتحاق بالأمير محمد البدر والقوات الملكية.
ومن هناك بدأ دوره الجديد داخل المعسكر الملكي.
لم يكن كوندي مجرد أجنبي يقاتل مع الملكيين؛ فقد أصبح جزءاً من البنية العسكرية والإعلامية والاتصالية للمعسكر الملكي، وتدرج لاحقاً حتى رتبة جنرال في قوات الإمام. كما حمل لقب مستشار وزارة المواصلات في المملكة المتوكلية اليمنية.
«يده اليمنى» في الاتصالات والدعاية
وتظهر الوثائق أن قرب كوندي من البدر لم يكن رمزياً فقط.
ففي عام 1963 نشرت صحيفة نيويورك تايمز معلومات عنه باعتباره أمريكياً سابقاً تخلى عن جنسيته واعتنق الإسلام وأصبح من رعايا اليمن باسم عبدالرحمن كوندي.
والأهم أن الصحيفة عرّفته بأنه:
مسؤول العلاقات العامة وضابط الاتصال والمستشار العام للجيش الملكي الأول.
وكانت إحدى رسائله تحمل عنوان مقر الجيش الأول – أرحب.
وفي وثيقة أخرى من العام نفسه، وقع كوندي باسمه:
«عبدالرحمن كوندي، مقدم، هيئة الأركان العامة، الجيش الملكي، ضابط البريد».
ثم تظهر وثائق لاحقة اسمه برتبة أعلى، وصولاً إلى رتبة العميد والجنرال.
لم يكن يقاتل فقط.. بل كان صوت الملكيين أمام العالم
أتاحت له إجادته الإنجليزية والعربية وخبرته السابقة في الولايات المتحدة أن يتحول إلى حلقة وصل بين قيادة الملكيين والصحفيين والدبلوماسيين والزوار الغربيين.
وتشير دراسة آشر أوركابي إلى أن كوندي كان من أبرز الناطقين بالإنجليزية داخل المعسكر الملكي، وأنه كان يستقبل الصحفيين والمسؤولين الأمريكيين والبريطانيين في مناطق الملكيين، كما استُخدمت شبكة البريد التي كان يشرف عليها في الاتصالات مع الخارج.
وهكذا جمع كوندي بين المقاتل والمستشار وضابط الاتصال ومسؤول الدعاية والبريد في معسكر الإمام البدر.
حرب الطوابع.. سلاح آخر للملكيين
حتى الطوابع تحولت في يد كوندي إلى جزء من الصراع السياسي.
فقد واصل إصدار الطوابع المرتبطة بالقضية الملكية، واستخدم النظام البريدي في تقديم صورة عن استمرار المملكة المتوكلية وشرعيتها في الخارج.
ويشير مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة هارفارد إلى أن بروس كوندي كان شخصية مهمة في لفت الانتباه العالمي إلى الصراع على السيطرة على النظام البريدي اليمني بين الملكيين والجمهوريين.
وتشير الوثائق إلى أن البريد الملكي كان يمر في ظروف الحرب عبر مناطق القتال وخطوط القوات الجمهورية والمصرية، بينما كان كوندي يواصل إصدار المطبوعات والطوابع ومخاطبة الخارج.
هل كان فعلاً «يد البدر اليمنى»؟
هذه العبارة تعكس مدى قربه وتأثيره، لكنها ليست لقباً رسمياً موثقاً لكوندي.
المؤكد من الوثائق أنه كان مستشاراً وضابط اتصال ومسؤول علاقات عامة وضابط بريد في الجيش الملكي، وأنه ارتقى لاحقاً إلى رتبة جنرال، كما ظل من الشخصيات المقربة من المعسكر الملكي.
لذلك فإن وصفه في العنوان بأنه «يده اليمنى» يُفهم صحفياً للدلالة على قربه من الإمام البدر وتعدد أدواره، وليس باعتباره منصباً رسمياً.
من اليمن إلى غرناطة
بعد سنوات الحرب انتقل كوندي إلى إسبانيا، وارتبط اسمه بمدينة غرناطة، حيث افتتح مطعماً في حي البيازين.
وفي حديقة المطعم أقام محراباً، ووضع بجواره لوحة تكرّم الإمام محمد البدر وتربط إنشاء المحراب بذكرى جهاده، وتذكر كوندي بصفته العميد عبدالرحمن.
رجل أمريكي في قلب حرب اليمن
قصة عبدالرحمن كوندي تختصر مساراً استثنائياً:
ضابط في الجيش الأمريكي ومكافحة التجسس → دارس للعربية في بيروت → هاوٍ للطوابع → مقيم في اليمن → مسلم باسم عبدالرحمن كوندي → مواطن يمني → متهم بالتجسس ومُرحّل → يعود بعد ثورة سبتمبر إلى جانب الإمام البدر → ضابط اتصال ومستشار ومسؤول دعاية وبريد → جنرال في القوات الملكية.
وهكذا لم يكن كوندي مجرد مقاتل أجنبي في الحرب اليمنية؛ بل أصبح واحداً من أكثر الشخصيات الغربية ارتباطاً بالمعسكر الملكي وبالإمام محمد البدر خلال حرب السنوات الثماني.
الأوراق اليمنية – خاص
كتب التقرير: طاهر مثنى حزام
رئيس تحرير صحيفة وموقع الأوراق

 

مشاركة الخبر:

المزيد من الاخبار اليمنية

المزيد من الفئات الأخرى