حصار صنعاء يخنق شريان النفط السعودي.. كم تدفع الرياض مقابل الهروب من البحر الأحمر؟
حصار صنعاء يخنق شريان النفط السعودي.. كم تدفع الرياض مقابل الهروب من البحر الأحمر؟كل
الأوراق/خاص
لم تعد تداعيات التصعيد في البحر الأحمر بالنسبة للسعودية مجرد تهديد أمني للسفن، بل تحولت إلى كلفة اقتصادية مباشرة على صادرات النفط وسلاسل النقل والتأمين، بعدما وجدت الرياض نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب طرق تصدير النفط من موانئها على البحر الأحمر.
وكانت صنعاء قد أعلنت في 20 يوليو 2026 فرض ما وصفته بحظر بحري على الشحنات المرتبطة بالسعودية، لتصبح موانئ المملكة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ينبع، تحت ضغط متزايد. وتشير رويترز إلى أن إغلاق هذا المسار سيكون ذا تأثير كبير بصورة خاصة على صادرات النفط السعودية من ينبع، التي كانت تمثل منفذاً مهماً للأسواق الآسيوية.
ينبع.. شريان النفط الذي أصبح مكلفاً
قبل التصعيد، كانت السعودية قد حولت جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية إلى ينبع على البحر الأحمر، مستفيدة من خط أنابيب الشرق-الغرب لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز.
وبحسب بيانات Kpler التي نقلتها رويترز، بلغت صادرات النفط الخام والمكثفات السعودية عبر ينبع في يوليو نحو 5.29 مليون برميل يومياً في المتوسط للفترة التي سبقت التصعيد، وكان نحو 75% منها يخرج من ينبع.
لكن المعادلة تغيرت سريعاً.
ففي أغسطس، أظهرت بيانات شركات تتبع السفن تراجع حركة الملاحة عبر باب المندب إلى نحو 32 سفينة يومياً، مقابل متوسط سابق يقارب 50 سفينة. كما أصبحت ناقلات سعودية كثيرة تنفذ رحلات مع إيقاف أجهزة التتبع لتقليل فرص اكتشافها.
والأخطر أن تقديرات صادرات ينبع نفسها أصبحت متباينة بشدة؛ فقد قدرت Vortexa التدفقات بنحو 2.38 مليون برميل يومياً، في حين قدرتها Kpler بنحو 1.78 مليون برميل يومياً، وهو تفاوت يعكس صعوبة معرفة الحجم الحقيقي للتدفقات في ظل الرحلات غير المعلنة.
الهروب حول أفريقيا.. فاتورة إضافية
عندما تصبح الملاحة عبر باب المندب أكثر خطورة، فإن البديل بالنسبة للناقلات المتجهة إلى آسيا هو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
وهنا تبدأ الفاتورة الحقيقية.
تقديرات منشورة حول مسار ناقلة نفط عملاقة من ينبع إلى شرق آسيا تشير إلى أن الرحلة التي تستغرق قرابة 19 يوماً عبر باب المندب يمكن أن تمتد إلى نحو 48 يوماً عند سلوك المسار الأطول عبر قناة السويس ثم البحر المتوسط ورأس الرجاء الصالح.
وتشير تقديرات التكلفة إلى ارتفاع وقود الرحلة من نحو 1.26 مليون دولار إلى 2.87 مليون دولار، مع إضافة قرابة مليون دولار لرسوم قناة السويس، بما يجعل التكلفة الإضافية المباشرة للرحلة تتجاوز 2.5 مليون دولار في النموذج المشار إليه.
وهذا ليس مجرد حساب نظري؛ فقد رصدت تقارير بحرية ناقلات سعودية عملاقة تسلك بالفعل مسارات أطول حول أفريقيا، بما في ذلك ناقلات تابعة لشركة البحري السعودية. �
التأمين.. فاتورة أخرى فوق النفط
المشكلة لا تتوقف عند الوقود.
فبعد الهجمات والتهديدات، ارتفعت تكاليف التأمين على مخاطر الحرب في البحر الأحمر، وأشارت رويترز إلى أن تكلفة التأمين لبعض الرحلات في جنوب البحر الأحمر تضاعفت عقب الهجمات على ناقلات. كما وسع سوق التأمين البحري في لندن منطقة المخاطر المرتفعة في البحر الأحمر.
وهكذا أصبحت الناقلة السعودية أمام ثلاث فواتير متزامنة:
وقود أكثر + أيام إبحار إضافية + تأمين أعلى.
وكل يوم إضافي للناقلة يعني أيضاً أن السفينة تصبح مشغولة لفترة أطول، فتقل قدرتها على تنفيذ رحلات أخرى خلال العام.
والضربة وصلت إلى المصافي السعودية
التداعيات لم تعد مرتبطة بالنقل فقط.
ففي 9 أغسطس أعلنت رويترز تعرض مصفاة أرامكو في جازان لهجوم، فيما قالت بيانات سوقية في 31 أغسطس إن صادرات الديزل من الشرق الأوسط إلى أفريقيا تراجعت بصورة حادة، بينما قفزت صادرات آسيا إلى أفريقيا إلى أعلى مستوى لها في نحو أربع سنوات ونصف لتعويض النقص.
وتشير البيانات إلى أن أفريقيا كانت تعتمد تاريخياً على الشرق الأوسط لنحو نصف احتياجاتها من الديزل، وكانت السعودية توفر نحو 40% من الإمدادات الشرق أوسطية.
بمعنى آخر، بدأت الأزمة تتحول من مشكلة طريق بحري إلى مشكلة في خريطة تجارة الطاقة السعودية.
السعودية تبحث عن طرق بديلة
الرياض لم تتوقف عن تصدير النفط، وهذه نقطة مهمة حتى لا يتحول التقرير إلى مبالغة.
فالسعودية لجأت إلى بدائل، بينها نقل كميات عبر مصر واستخدام خط SUMED ثم تحميل النفط في البحر المتوسط، كما بدأت أرامكو استخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى خارج مناطق الاختناق البحري.
لكن البدائل ليست مجانية.
فكلما ابتعدت الناقلة عن المسار المباشر، ارتفعت تكلفة نقل البرميل، وطال زمن وصوله إلى المشتري، وارتفعت المخاطر والتأمين.
وتشير إحدى تقديرات قطاع الملاحة إلى أن بعض ترتيبات نقل الخام السعودي البديلة أضافت قرابة 9 دولارات إلى تكلفة نقل البرميل في مسارات معينة. وهذا الرقم تقديري وليس خسارة صافية معلنة لشركة أرامكو أو للحكومة السعودية.
المفارقة: النفط لم يتوقف.. لكنه أصبح أغلى
وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية.
فصنعاء لا تحتاج بالضرورة إلى إيقاف كل صادرات النفط السعودية حتى تحقق أثراً اقتصادياً؛ يكفي أن تجعل الطريق المعتاد عالي المخاطر ومكلفاً.
فإذا كان أمام الناقلة خياران:
طريق أقصر وأرخص لكنه عالي المخاطر، أو طريق أطول وأكثر أمناً لكنه أغلى بملايين الدولارات،
فإن تكلفة الخطر في النهاية تدخل في سعر النفط والشحن والتأمين.
ولذلك وصفت رويترز في يوليو أثر إغلاق البحر الأحمر بأنه سيكون كبيراً على التدفقات السعودية، خصوصاً أن ينبع أصبح منفذاً رئيسياً