عندما ترى… وعندما يُرى اليمني: كوميديا الانطباعات ودراما الحقيقة
بقلم: د. فيروز الولي
في عالمٍ باتت فيه الهوية تُقرأ قبل جواز السفر، ويُحكم عليك قبل أن تفتح فمك، صار لكل شعب “كادر تمثيلي” محفوظ في ذاكرة الناس—كأن البشرية كلها تعيش داخل إعلان تجاري طويل، وكل جنسية لها شعارها الخاص.
الخليجي… العملة قبل الإنسان
أول ما يقفز في ذهنك عندما ترى خليجياً ليس اسمه بل سعر صرفه: ريال، درهم، دينار…
وكأن الرجل ليس بشراً بل محفظة تمشي فوق سجادة من بخور.
صناعة الانطباع هنا ليست نفسية بقدر ما هي اقتصاديات فائض الرفاهية… فحين يكون دخلك من النفط أكثر من دخلك من القلق، تصبح صورتك في المخيلة الجمعية مذهّبة بالضرورة.
اللبناني… مارلين مونرو الشرق بنسخة اقتصاديّة منهارة
أما اللبناني، فتراه فتعتقد أن العالم كله يعيش في إعلان عطر.
جمال وأناقة وفنٌ كأنه صادر بختم الجمهورية على شكل “Make it beautiful”.
لكن خلف الكادر، هناك علم نفس شعب عاش أجمل مما يحتمل، ثم خسر أكثر مما يطاق… فصار يتقن التأنّق حتى وهو ينهار، ويبتسم أثناء انقطاع الكهرباء، وكأنه يقول:
“نعم، البلد وقع… بس اللوك ما بوقع.”
المصري… مدرسة الثقافة التي لا تُغلق
وحين ترى مصرياً، تشعر أن في أذنيك تلقائياً تبدأ أم كلثوم بالبروفات.
الصورة الذهنية هنا ليست مصادفة؛ فهي نتاج قرن كامل من التصدير الثقافي: أدب، سينما، مسرح، نكتة…
مزيج يجعل المصريين الوحيدين القادرين على تحويل الأزمة الاقتصادية إلى فقرة كوميدية تحفظ ماء الوجه والجيب معاً.
الصيني… الكائن المصنع
الصيني في المخيلة الشعبية كأنه ليس فرداً، بل خط إنتاج متنقّل.
هذه ليست نكتة… بل نتيجة لقوة ثقافية صنعت صورة الإنسان الذي يعمل حتى أثناء نومه.
فالصين نجحت في تسويق نفسها سيكولوجياً قبل أن تغزو العالم اقتصادياً:
“نحن نعمل… أنتم تستهلكون… والكل مرتاح.”
الأمريكي والأوروبي… حيث الحقوق تأتي قبل الوجبات
أما الأمريكي أو الأوروبي، فيُمثّل فكرة معقدة:
الأمان، الحقوق، القانون، والبيروقراطية التي تُصدّر للعالم باعتبارها أكثر شفافية من الماء.
ولذلك فإن العربي لا يرى فيهم شخصاً، بل يرى فرصة هجرة:
"بلد يمنحك حقوقًا، لا وجبات مساعدات."
واليمني… ابن حضارة صار يشاهد حضارته على اليوتيوب
هنا يصل المشهد إلى الذروة.
اليمني… الذي كان يُرى قبل ألفي سنة كصاحب سدٍّ ونقشٍ وعرش،
يُرى اليوم كضحية قيادات سياسية تتردد في قول “لا” أكثر مما تتردد في قول “نعم”.
حتى أصبح اليمني يشبه بلده:
ملامح حضارة عظيمة… وروح مرهقة… وواقعٌ مُدار بعقلية “أبقوا الوضع كما هو… يمكن ينصلح بالغلط”.
إنه ليس شعباً ناقصاً، بل دولة مكتملة الفشل.
وليس مجتمعاً ضعيفاً، بل قيادة قوية فقط في الشيء الخطأ:
قوية في الإنفاق… ضعيفة في الإنتاج.
قوية في الظهور أمام الكاميرا… ضعيفة أمام كلمة “كفى”.
نفسياً:
الشعوب تُبنى انطباعاتها من مستوى الاستقرار. المستقر يُرى جميلاً… والمضطرب يُرى مُرهقاً.
اجتماعياً:
المجتمعات المنظمة تصدّر صورة منظمة، والأخرى تصدر فوضى—شاءت أم أبت.
ثقافياً:
الدول التي تحترم ثقافتها تحمي صورتها… أما اليمن فيعيد تدوير ماضيه لأن حاضره مشغول بالتفاوض حول من يملك “الكرسي”.
سياسياً:
السياسة هي الفرق بين أن يراك العالم دولة أو مشكلة.
واليمن تحول من بلدٍ له موقف… إلى بلدٍ يُحركه الآخرون كقطعة شطرنج مكسورة.
اقتصادياً:
اقتصاد الشعوب ليس حجماً فقط، بل إدارة.
الخليجي يملك فوائض، المصري يملك سوقاً، الصيني يملك مصانع…
واليمني يملك حكومة لا تملك شيئاً سوى الهبات والصور التذكاري
خلاصة:
العالم لا يرى الشعوب كما هي…
بل كما تصنع قياداتها صورتها.
ولذلك يظهر الخليجي كثراء، واللبناني كأناقة، والمصري كثقافة، والصيني كعمل، والأوروبي كحقوق…
واليمـني…
كحضارةٍ في فيديو وثائقي،
وحاضرٍ في نشرة أخبار،
ومستقبلٍ ينتظر أن يسمع كلمة “كفى” من سلطة تمتلك القدرة على الهدم…
ولا تمتلك الشجاعة للبناء.