من كوريا الجنوبية إلى اليمن.. لماذا تحظر سيول تجارة لحوم الكلاب بينما تكافح صنعاء الكلاب الضالة بسبب داء الكلب؟
من كوريا الجنوبية إلى اليمن.. لماذا تحظر سيول تجارة لحوم الكلاب بينما تكافح صنعاء الكلاب الضالة بسبب داء الكلب؟
الأوراق اليمنية – تقرير خاص
بينما تستعد كوريا الجنوبية لإنهاء تجارة لحوم الكلاب بصورة نهائية في فبراير/شباط 2027، تواجه اليمن مشكلة مختلفة تمامًا مع الكلاب، تتمثل في انتشار الكلاب الضالة وخطر داء الكلب (السعار) الذي تسبب في وفيات وإصابات، خصوصًا بين الأطفال.
وتكشف المقارنة بين التجربتين اختلافًا كبيرًا في طبيعة المشكلة: ففي كوريا الجنوبية يدور النقاش أساسًا حول الرفق بالحيوان وتغير العادات الغذائية، بينما تواجه مناطق يمنية، بينها صنعاء، تحديًا يتعلق بـالصحة العامة ومكافحة الحيوانات الضالة والوقاية من داء الكلب.
كوريا الجنوبية.. نهاية تجارة عمرها عقود
أقرت كوريا الجنوبية قانونًا عام 2024 ينص على إنهاء تربية الكلاب وذبحها وتوزيعها وبيعها لغرض الاستهلاك البشري، مع منح العاملين في القطاع فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات.
ومن المقرر أن يدخل الحظر الكامل حيز التنفيذ في 7 فبراير/شباط 2027.
وجاء القرار نتيجة مجموعة عوامل، بينها تراجع استهلاك لحوم الكلاب، وتغير نظرة المجتمع إليها باعتبارها حيوانات أليفة، وتزايد الاهتمام بالرفق بالحيوان، إضافة إلى الحاجة إلى تنظيم القطاع وسلامة الغذاء.
وبحلول مايو/أيار 2026، كانت غالبية مزارع تربية الكلاب المخصصة للحوم قد أغلقت بالفعل.
اليمن.. المشكلة مختلفة
في اليمن، وخصوصًا في المدن والمناطق التي تعاني من انتشار الكلاب الضالة، لا يرتبط التعامل مع الكلاب أساسًا بصناعة غذائية، وإنما يمثل ملفًا للصحة العامة بسبب خطر داء الكلب.
ويُعد داء الكلب من أخطر الأمراض الفيروسية؛ فبعد ظهور الأعراض السريرية يصبح المرض قاتلًا في الغالب، إلا أن الوفاة يمكن الوقاية منها في حال الحصول على العلاج الوقائي المناسب بسرعة بعد التعرض للعضة.
حالات وفاة في صنعاء وذمار
شهدت السنوات الماضية تسجيل حالات وفاة يمنية عقب التعرض لعضات كلاب يُشتبه في إصابتها بالسعار.
ففي صنعاء عام 2022، توفي مواطن يبلغ نحو 50 عامًا بعد تعرضه لعضة كلب مسعور في حي السنينة، فيما استقبل مستشفى الثورة حالات أخرى جراء هجمات الكلاب الضالة.
وفي 2021، تحدث مسؤول في وحدة مكافحة داء الكلب بصنعاء عن وصول نحو 4 آلاف حالة عضة كلب إلى المركز خلال عام، مع تسجيل عشرات الوفيات وفق التصريحات المنشورة آنذاك.
كما سجلت ذمار حالات وفاة بين الأطفال بعد التعرض لعضات الكلاب، وسط تحذيرات من خطورة المرض وصعوبة توفير اللقاحات والمصل في بعض الفترات.
وكانت وزارة الصحة في صنعاء قد أعلنت في 2019 تسجيل 9,498 حالة تعرض لعضات الكلاب خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، توفي منها 50 شخصًا، بحسب بيانات الوزارة.
لماذا يتم قتل الكلاب الضالة؟
في هذه الحالة، يكون الهدف من حملات مكافحة الكلاب الضالة هو الحد من خطر هجمات الحيوانات وتقليل احتمال انتقال داء الكلب، وليس التعامل معها باعتبارها لحومًا مخصصة للاستهلاك.
لكن من الناحية الصحية، لا يعني وجود كلب ضال بالضرورة أنه مصاب بداء الكلب؛ فالتشخيص يحتاج إلى إجراءات بيطرية ومخبرية. ولذلك فإن برامج مكافحة السعار الحديثة لا تقوم فقط على قتل الحيوانات، وإنما تعتمد أيضًا على التطعيم الجماعي للكلاب، والمراقبة البيطرية، والسيطرة على أعداد الحيوانات الضالة، وتوفير العلاج الوقائي للبشر بعد التعرض للعضات.
الأطفال.. الحلقة الأضعف
تشكل الكلاب الضالة خطرًا خاصًا على الأطفال، لأن الطفل قد لا يعرف كيفية التعامل مع الحيوان أو قد يتأخر في إبلاغ أسرته بعد تعرضه للعض.
وفي حالة الاشتباه بالتعرض لداء الكلب، فإن سرعة التعامل مع الإصابة تصبح مسألة حاسمة؛ إذ يمكن للعلاج الوقائي بعد التعرض أن يمنع المرض قبل ظهور أعراضه.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الكلاب مسؤولة عن نحو 99% من حالات انتقال داء الكلب إلى البشر، وأن تطعيم الكلاب على نطاق واسع يمثل وسيلة فعالة للسيطرة على المرض.
مفارقة بين البلدين
المفارقة أن الكلب في كوريا الجنوبية أصبح خلال السنوات الأخيرة مرتبطًا بصورة متزايدة بالحياة المنزلية والحيوانات الأليفة، الأمر الذي ساعد على تراجع استهلاك لحومه.
أما في اليمن، فإن الكلاب الضالة تمثل في بعض المدن مصدر خطر صحي مباشر بسبب العضات واحتمال انتقال السعار.
وبالتالي فإن الحديث عن الكلاب في البلدين ينطلق من مشكلتين مختلفتين:
كوريا الجنوبية:
إنهاء تجارة لحوم الكلاب → الرفق بالحيوان + تغير العادات الاجتماعية + تراجع الاستهلاك + تنظيم القطاع.
اليمن:
مكافحة الكلاب الضالة → الصحة العامة + الوقاية من داء الكلب + حماية الأطفال + توفير اللقاحات والمصل.
هل يمكن لليمن الاستفادة من التجربة الدولية؟
بدل الاقتصار على التخلص من الكلاب الضالة، تشير التجارب الدولية في مكافحة داء الكلب إلى أهمية اتباع برنامج متكامل يجمع بين التطعيم، والمراقبة، وإدارة أعداد الكلاب، والتوعية، وسرعة علاج المصابين بعد التعرض للعضات.
وهنا تبرز الحاجة إلى دعم مراكز مكافحة داء الكلب في اليمن، وضمان توفر اللقاحات والغلوبولين المناعي عند الحاجة، إلى جانب برامج مستمرة للتحصين البيطري.
الخلاصة
بينما تستعد كوريا الجنوبية لإغلاق آخر صفحة من تجارة لحوم الكلاب في عام 2027، يواجه اليمن تحديًا من نوع آخر: كيف يحمي السكان من الكلاب الضالة وداء الكلب دون الاكتفاء بالقتل العشوائي للحيوانات؟
فالمشكلة اليمنية ليست في وجود الكلاب بحد ذاته، وإنما في انتشار الحيوانات الضالة، وضعف التحصين، وخطر السعار، ومدى توفر العلاج الوقائي بعد التعرض للعضات.
وتبقى الوقاية الصحية، والتطعيم، والرقابة البيطرية، وسرعة علاج المصابين، عناصر أساسية في أي استراتيجية طويلة المدى للحد من الوفيات الناجمة عن داء الكلب