الذهب المطلي ينقذ عرائس اليمن من الإحراج المجتمعي.. بديل أنيق في زمن الغلاء

ذهب العروس في اليمن.. كأمان لا يتحمله المهر .!
 امل وحيش- نسوان فويس –
“ما يميز العروس إلا ذهبها”، عبارة استهلت بها خديجة، وهي عروس من محافظة صنعاء، حديثها ، قبل أن تضيف بحسرة أن مهرها، البالغ ثلاثة ملايين ونصف المليون ريال يمني، لم يمكّنها من شراء ذهب تتجاوز قيمته مليون ريال فقط، بعدما قفزت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
ورغم ذلك، ترى خديجة أنها كانت أوفر حظاً من كثيرات؛ فقد تمكّنت من شراء قدر من الذهب، وتجنبت في الوقت نفسه نظرات المجتمع التي لا تتوقف أيام الزفاف عن تفحص ما ترتديه العروس، والسؤال عن قيمته، وما إذا كان ذهباً حقيقياً أم مقلداً، أو حتى مستعاراً.
بالنسبة لخديجة، لا يقتصر الذهب على كونه زينة تتزين به العروس، بل يمثل الأمان الأخير للمرأة اليمنية إذا قست عليها الأيام أو واجهت ظرفاً صحياً أو مادياً؛ فالملابس تبلى، والأثاث يفقد قيمته، أما الذهب فيظل، بالنسبة لكثير من اليمنيات، الادخار الأكثر أماناً وأهم ما تملكه العروس بعد الزواج.
لكن حتى هذا “الأمان” أصبح اليوم بعيد المنال؛ إذ لم يكن مهرها كافياً لتغطية نفقات الزواج التي تضاعفت بصورة لافتة، بدءاً من قاعة الأفراح والمصورة وخبيرة التجميل، وصولاً إلى عشرات التفاصيل الصغيرة التي تحوّلت إلى أعباء مالية كبيرة، ما اضطر والدها إلى استكمال التكاليف من ماله الخاص حتى يخرج حفل الزفاف بالشكل الذي يفرضه المجتمع.
ولويات تغيّرها الأزمة
إذا كانت خديجة قد تمسكت بشراء الذهب باعتباره “أمان المستقبل”، فإن هاجر هلال، وهي عروس من محافظة إب، اختارت طريقاً مختلفاً.
تزوجت هاجر قبل أشهر، وكان مهرها مليوناً ونصف المليون ريال فقط، لأن العريس من أقاربها؛ لذا لم تفكر في شراء الذهب، وقررت أن تستمتع باللحظة وتعيش تفاصيل عرسها كاملة دون أي تقصير، مُستثنيةً الذهب تماماً من قائمة التجهيزات.
ورغم قناعتها بأن الذهب يمثل مصدر أمان للمرأة، فإنها ترى أن الواقع مختلف؛ فبحسب تجربتها، قد تضطر المرأة في نهاية المطاف إلى بيع ذهبها أو إعطائه لزوجها أو لأسرته عند أول أزمة مالية، ولذلك فضّلت توجيه المبلغ إلى تجهيزات الزفاف، والاستعانة بذهب مطلي (الفالصو/المقلد) ترتديه في ليلة العرس فقط، حتى تتجنب أسئلة المجتمع وتعليقاته.
تقول هاجر ل “نسوان فويس” : ” كل عروس تحلم بذهب جميل وزفاف متكامل، لكن الظروف الاقتصادية الحالية تجبر كثيراً من الفتيات على إعادة ترتيب أولوياتهن، و فرحة ليلة العمر، أهم من امتلاك الذهب الكثير”.
وتُشاطرها الرأي “حبيبة”، وهي شابة مقبلة على الزواج، حيث تؤكد أنها لا تهتم بالذهب ولا تُفضّل اقتناءه، وترى أن المجتمع سيتحدث في جميع الأحوال مهما اشترت؛ لذا فهي لا تأبه لرأي الناس.
ورغم ذلك، يُصرّ أهلها على شراء الذهب ويعدّونه أمراً أساسياً لا مفر منه، بينما لو كان القرار بيدها لجمّدت خيار شراء الذهب في زفافها، واكتفت بتغطية كافة تفاصيل التجهيزات الأخرى للعرائس دون اقتناء أي قطعة ذهبية.
تقاليد تواجه الغلاء
هذا التحول لا يعني أن المجتمع اليمني تخلى عن الذهب، لكنه يكشف أن الظروف الاقتصادية بدأت تفرض واقعاً جديداً، تختلف فيه الخيارات من أسرة إلى أخرى.
تقول دنيا، خريجة جامعية، إن هناك عائلات باتت تتفهم عدم قدرة العروس على شراء الذهب بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار، بينما لا تزال أسر أخرى تتمسك بهذه العادة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مراسم الزواج.
وفي حديثها ل “نسوان فويس”، ترى أن حجم المهر أصبح العامل الحاسم في تحديد كمية الذهب التي تستطيع العروس شراءه، حتى وإن كانت مجرد قطع بسيطة.
وتستعيد دنيا تجربتها قبل نحو سبع سنوات، حين كانت أسعار الذهب أقل بكثير مما هي عليه اليوم، وكان المهر يكفي لشراء الذهب وإقامة حفل زفاف مناسب دون الحاجة إلى الاستدانة.
وبرأيها، سيظل الذهب يحتفظ بقيمته بالنسبة للمرأة، ليس فقط بوصفه زينة، وإنما باعتباره أيضاً ادخاراً يمكن اللجوء إليه عند الأزمات.
أما آسيا الصراري، موظفة، فتقول إن الذهب لم يعد مجرد حلي ترتديها العروس، بل تحول في نظر المجتمع اليمني إلى مقياس للمكانة الاجتماعية، تُقاس به مكانة العروس وأسرتها.
لكنها شخصياً لا تضع الذهب في مقدمة أولوياتها، وترى أن بناء حياة زوجية مستقرة أهم بكثير من الاهتمام بالمظاهر التي تنتهي بانتهاء ليلة الزفاف.
وترى آسيا أن الارتفاع الكبير في الأسعار دفع كثيراً من الفتيات إلى شراء الذهب المطلي هرباً من الانتقادات الاجتماعية، مؤكدة أن المشكلة الحقيقية ليست في الذهب نفسه، بل في النظرة المجتمعية التي تربط قيمة المرأة بما ترتديه من مجوهرات.
وتختتم حديثها ل “نسوان فويس” برسالة واضحة : “المجتمع سيتحدث في كل الأحوال، ولن تستطيع إرضاء الجميع. لذلك، الأفضل أن تركز كل فتاة على بناء حياة مستقرة، لا على إرضاء الناس”.
الذهب في اليمن لم يكن يوماً مجرد زينة، بل حُمل عبر الأجيال معاني تتجاوز قيمته المادية، إذ ارتبط بالأمان، والكرامة، والمكانة الاجتماعية، والاستقرار الأسري هذه الظاهرة أصبحت اليوم أكثر تعقيداً، بعدما اصطدمت العادات الاجتماعية بواقع اقتصادي شديد القسوة فرضته سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة

مشاركة الخبر:

المزيد من الاخبار اليمنية

المزيد من الفئات الأخرى