الأوراق تنفرد..السعودية تعيد التأريخ وتستعد للتخلي عن «ما تُسمى بالشرعية» وطارق والإصلاح كما تخلت عن الإدريسيين عام 1934 وكما فعلت عام 2023 لصالح قوة صنعاء بقيادة أنصار الله؟ من حرب 2015 إلى وساطة باكستان مع إيران.. هل تفرض المصالح السعودية إعادة رسم التح
الأوراق تنفرد..السعودية تعيد التأريخ وتستعد للتخلي عن «ما تُسمى بالشرعية» وطارق والإصلاح كما تخلت عن الإدريسيين عام 1934 لصالح قوة صنعاء بقيادة أنصار الله؟
من حرب 2015 إلى وساطة باكستان مع إيران.. هل تفرض المصالح السعودية إعادة رسم التحالفات في اليمن؟
كتب: طاهر مثنى حزام من صنعاء – الأوراق – تقرير خاص
بعد أكثر من عقد على الحرب التي قادتها السعودية في اليمن، تبدو معادلات الصراع أمام تحول جديد؛ فالسعودية التي خاضت حربًا واسعة ضد صنعاء منذ 2015، عادت لاحقًا إلى التفاوض معها، بينما أصبحت قوة صنعاء بقيادة أنصار الله تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تمكنها من تهديد المصالح السعودية والملاحة في البحر الأحمر.
وفي المقابل، تسعى الرياض إلى حماية اقتصادها ومشاريع رؤية 2030، في وقت تتحدث فيه تقارير عن وساطة باكستانية واتصالات مع إيران لاحتواء التهديدات التي تتعرض لها السعودية.
فهل وصلت الرياض إلى مرحلة يصبح فيها التفاهم مع القوة الأقوى في صنعاء أقل كلفة من استمرار الحرب وحماية حلفائها في «ما تُسمى بالشرعية» بقيادة العليمي، وطارق والإصلاح والسلفيين؟
وهل يمكن أن تتكرر، بصورة مختلفة، تجربة عام 1934 عندما تغيرت حسابات آل سعود وانتهت مرحلة الإدريسيين؟
من الحرب إلى التفاوض
في مارس 2015 قادت السعودية تحالفًا عسكريًا للتدخل في اليمن، تحت عنوان دعم الحكومة اليمنية ومواجهة أنصار الله.
واستمرت الحرب سنوات، وتعرضت صنعاء ومناطق يمنية أخرى لقصف واسع طال منشآت وبنية تحتية ومواقع عسكرية.
وكانت حادثة القاعة الكبرى في صنعاء عام 2016 إحدى أكثر الوقائع دموية خلال الحرب، حيث قُتل وأصيب مئات الأشخاص، بينهم مسؤولون وشخصيات اجتماعية.
لكن الحرب لم تُسقط صنعاء، ولم تنه قوة صنعاء بقيادة أنصار الله.
بل حدث العكس؛ فقد خرجت الأخيرة من سنوات الحرب بخبرة عسكرية وقدرات صاروخية ومسيّرة أكبر.
ثم انتقلت الرياض نفسها من المواجهة العسكرية إلى التفاوض.
ففي أبريل 2023 وصل السفير السعودي محمد آل جابر إلى صنعاء ضمن جهود التفاوض، والتقى قيادات أنصار الله، بالتزامن مع عمليات واسعة لتبادل الأسرى.
وهكذا انتقلت العلاقة من القصف إلى التفاوض.
2026.. المعادلة تغيرت
اليوم تختلف المعادلة عن عام 2015.
فقوة صنعاء بقيادة أنصار الله أصبحت قادرة على تهديد أهداف ومصالح سعودية، كما تحولت الملاحة في البحر الأحمر إلى إحدى أهم أوراق الضغط في الصراع.
وفي يوليو 2026 أعلنت صنعاء استهداف ناقلات نفط سعودية، في إطار ما وصفته بالحصار البحري على السعودية، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن تصاعد المخاطر على حركة ناقلات النفط والملاحة في البحر الأحمر.
وفي أغسطس تصاعدت الهجمات على المصالح النفطية السعودية، مع تقارير عن استهداف منشأة تابعة لأرامكو في جازان.
وبذلك أصبحت المعادلة مختلفة:
في 2015 كانت السعودية تنقل الحرب إلى اليمن.
أما في 2026 فأصبحت كلفة الحرب تصل إلى المصالح الاقتصادية السعودية نفسها.
مطالب صنعاء: رفع الحصار وعائدات النفط للرواتب
تطرح صنعاء مطالب تتعلق برفع القيود والحصار الجوي والبحري والبري، وفتح المطارات والموانئ، واستئناف تصدير النفط، وتوجيه عائداته لصرف رواتب الموظفين، إلى جانب ملفات اقتصادية وإنسانية وسياسية أخرى.
ومن منظور صنعاء، فإن استمرار القيود الاقتصادية لا يمكن أن يستمر من دون رد.
وهكذا تبدو المعادلة التي تحكم التصعيد:
رفع الحصار مقابل وقف التصعيد.. النفط مقابل الراتب.. والملاحة مقابل الملاحة.
وبغض النظر عن الموقف من هذه المطالب، فإنها تمثل مفتاحًا مهمًا لفهم أسباب التصعيد الحالي.
السعودية في 2026 ليست السعودية في 2015
السعودية اليوم تخوض مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا تحت مظلة رؤية 2030، وتراهن على السياحة والاستثمار والطيران والموانئ والمشاريع العملاقة وتنويع الاقتصاد.
وهذه المشاريع تحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة.
فالمستثمر يبحث عن الاستقرار، والسائح عن الأمن، وشركات النقل عن ممرات بحرية آمنة، بينما تؤدي المخاطر العسكرية إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والاستثمار.
ومن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:
هل تستطيع السعودية تحقيق طموحات رؤية 2030 بينما تبقى جبهتها الجنوبية والبحر الأحمر عرضة لتصعيد صاروخي وبحري متكرر؟
فالمسألة بالنسبة للرياض لم تعد مجرد كلفة عسكرية للحرب، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الاقتصاد والاستثمار والسياحة والطاقة والملاحة.
باكستان تدخل على خط الأزمة
التطور الجديد الذي يستحق التوقف عنده هو الدور الباكستاني في الاتصالات الإقليمية.
فباكستان تقوم بتحركات دبلوماسية واتصالات مع إيران في إطار جهود احتواء التصعيد الإقليمي، في وقت أصبحت فيه إسلام آباد جزءًا من ترتيبات أمنية جديدة مع الرياض.
وفي 7 أغسطس وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا للدفاع المشترك، ينص على أن أي عدوان على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره عدوانًا عليها.
وفي الوقت نفسه، ظهرت تقارير عن وساطة ورسائل باكستانية إلى إيران تتعلق بأمن السعودية ومحاولة احتواء الهجمات عليها.
لكن لا يوجد حتى الآن تأكيد موثوق بأن إيران قدمت ضمانًا رسميًا ملزمًا بأن قوة صنعاء بقيادة أنصار الله لن تهاجم السعودية.
بل إن التطورات الميدانية الأخيرة تشير إلى استمرار التصعيد.
ومع ذلك، فإن دخول باكستان على خط الاتصالات بين الرياض وطهران يضيف بعدًا جديدًا للمشهد:
السعودية لا تبحث فقط عن حل عسكري، وإنما عن ترتيبات أمنية إقليمية تقلل التهديد القادم من اليمن.
هل تتحول الوساطة إلى قناة تفاهم مع صنعاء؟
إذا استمرت الوساطة الباكستانية، فقد يصبح المشهد أكثر تعقيدًا:
الرياض ← إسلام آباد ← طهران ← قنوات التأثير على صنعاء
ولا يعني ذلك أن أنصار الله يتلقون أوامر من إيران، أو أن طهران تستطيع ضمان كل قرار تتخذه صنعاء.
لكن مجرد انتقال الملف إلى وساطة إقليمية حول أمن السعودية والهجمات القادمة من اليمن يكشف أن القضية أصبحت جزءًا من ترتيبات أمنية إقليمية أوسع.
وهنا يطرح التقرير سؤالًا مهمًا:
إذا كانت الرياض تبحث عن ضمانات لأمنها من خلال قنوات إقليمية، فلماذا لا تبحث في الوقت نفسه عن تفاهم مباشر مع القوة التي تسيطر فعليًا على صنعاء وتمتلك القدرة على التأثير في مسار التصعيد؟
السؤال الأصعب: ماذا عن حلفاء السعودية؟
السعودية تدعم ما تُسمى بالشرعية بقيادة رشاد العليمي، والمكونات السياسية والعسكرية المحسوبة عليها، ومنها الإصلاح والتيارات السلفية وطارق صالح.
لكن هل هذا الدعم غير قابل للتغيير؟
التجربة السياسية والتاريخية تقول إن التحالفات ليست أبدية، وأن الدول تعيد حساباتها عندما تتغير مصالحها.
وهنا تظهر معادلة واضحة:
استمرار الحرب يعني كلفة أمنية واقتصادية على السعودية.
بينما قد توفر التسوية مع صنعاء فرصة لخفض التهديدات وحماية الحدود والمنشآت والموانئ والاستثمارات.
طارق والإصلاح والسلفيون.. هل تتغير أدوارهم؟
إذا اتجهت الرياض إلى تسوية طويلة المدى مع صنعاء، فقد لا يكون التغيير في صورة إعلان سعودي بالتخلي عن حلفائها.
قد يحدث الأمر تدريجيًا من خلال:
إعادة هيكلة القوات.
تقليص الأدوار العسكرية.
دمج بعض التشكيلات في مؤسسات الدولة.
خفض الدعم لبعض القوى.
الدفع نحو تسوية سياسية شاملة.
أي أن السعودية قد لا تقول لحلفائها:
«تخلينا عنكم».
بل قد تقول عمليًا:
«انتهت مرحلة الحرب وبدأت مرحلة التسوية».
وعندها تتغير قيمة كل طرف وفق موقعه داخل التسوية الجديدة.
طارق صالح.. نموذج لتبدل التحالفات
مسار طارق صالح نفسه يقدم مثالًا على سرعة تغير التحالفات اليمنية.
فقد كان ضمن معسكر صنعاء في بداية الحرب، ثم أصبح لاحقًا أحد أبرز القوى المناهضة لأنصار الله، وانضم إلى مجلس القيادة الرئاسي.
وهذا يؤكد أن الخارطة السياسية والعسكرية في اليمن ليست ثابتة.
فإذا تغيرت قواعد اللعبة مرة أخرى، فمن الطبيعي أن تتغير مواقع بعض القوى وأدوارها.
درس الإدريسيين عام 1934
تستدعي التطورات الحالية أيضًا تجربة تاريخية تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي.
ولا يصح اختصار التاريخ بالقول إن السعودية «تخلت عن الإدريسيين للإمام يحيى»، فالعلاقة السعودية الإدريسية كانت أكثر تعقيدًا، وانتهى الكيان الإدريسي تدريجيًا في إطار توسع الدولة السعودية.
لكن الدرس السياسي الأبرز هو:
الحليف المحلي لا يملك ضمانة أبدية بأن الدولة الإقليمية الراعية ستبقى متمسكة به إذا تغيرت موازين القوة والمصلحة.
وفي 1934 انتهت الحرب السعودية اليمنية بمعاهدة الطائف، وانتقلت العلاقة بين الطرفين إلى ترتيبات سياسية جديدة.
هل نحن أمام «طائف جديد»؟
قد لا يكون المطلوب نسخة من معاهدة الطائف، لكن احتمال ظهور تفاهم سعودي–صنعاء جديد يبقى أحد السيناريوهات المطروحة.
وقد يشمل، في حال حدوثه:
أمن الحدود.
وقف الهجمات.
فتح المطارات والموانئ.
معالجة ملف الرواتب.
عائدات النفط.
ضمانات للملاحة.
ترتيبات سياسية يمنية.
وعندها يمكن أن يتغير وزن ما تُسمى بالشرعية وطارق والإصلاح والسلفيين داخل المشهد اليمني.
ثلاثة سيناريوهات
الأول: استمرار الحرب
تواصل السعودية دعم معسكر العليمي، وتعيد تنظيم قواته، وتستمر المواجهة مع صنعاء.
الثاني: تفاهم سعودي–صنعاء
تتوصل الرياض وصنعاء إلى تفاهم أمني واقتصادي، وتبدأ مرحلة جديدة من التهدئة، مع إعادة توزيع أدوار القوى اليمنية.
الثالث: تسوية إقليمية شاملة
تدخل السعودية وإيران وباكستان وعُمان وتركيا وغيرها في ترتيبات أمنية أوسع، ويصبح الملف اليمني جزءًا من اتفاق إقليمي حول أمن الخليج والبحر الأحمر.
وهذا السيناريو قد يكون الأكثر تأثيرًا على القوى التي بنت نفوذها على استمرار الحرب.
الخلاصة
السؤال الحقيقي في 2026 ليس فقط:
هل تريد السعودية بقاء العليمي وطارق والإصلاح والسلفيين؟
بل:
هل ستضحي السعودية بأمنها واقتصادها واستثماراتها ورؤية 2030 من أجل استمرار ترتيبات الحرب، أم ستبحث عن تفاهم مع القوة الأقوى على الأرض في صنعاء بقيادة أنصار الله؟
فالسعودية تواجه اليوم معادلة لم تكن موجودة بهذه الصورة عام 2015:
صنعاء تملك الصاروخ والمسيّرة والملاحة.
والسعودية تملك المال والاستثمار والنفوذ السياسي والموقع الاقتصادي.
والطرفان يستطيع كل منهما رفع كلفة الحرب على الآخر.
أما دخول باكستان على خط الوساطة والاتصالات مع إيران، إلى جانب الترتيبات الدفاعية الجديدة مع السعودية، فيضيف ورقة جديدة إلى المشهد، وإن كان من المبكر القول إن هناك ضمانًا إيرانيًا نهائيًا لوقف هجمات أنصار الله على السعودية.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال:
من تريد السعودية أن يحكم اليمن؟
بل:
من يستطيع أن يضمن للسعودية الأمن والاستقرار اللذين تحتاجهما لتنفيذ رؤية 2030؟
فإذا أصبحت التسوية مع قوة صنعاء بقيادة أنصار الله أقل كلفة على السعودية من استمرار الحرب وحماية حلفائها، فقد تبدأ التحالفات القديمة في فقدان قيمتها السياسية.
وهنا يعود سؤال التاريخ:
هل ستبقى «ما تُسمى بالشرعية» وطارق والإصلاح والسلفيون حلفاء إلى الأبد، أم أن مصالح السعودية قد تدفعها في النهاية إلى التفاهم مع القوة الأقوى في صنعاء؟