شيماء مذيعة يمنية اسرت قلوب اليمنيين بصوتها ماقصة ذلك ؟
في سلسلة رحلة فنان، التي أنتجتها وبثتها قناة يمن شباب، منحتنا المذيعة التلفزيونية "شيماء أمين" قدرة نادرة على أن رؤية ما لا نراه، فهي لم تكن مجرد معلقة صوتية تؤدي دورها العابر في قراءة السرد، بل كانت روحا سارية في جسد العمل، وجسرا خفيا يصلنا بذاكرة الفن اليمني.
رأينا بصوتها إبراهيم الماس وهو ينتشل الأغنية الصنعانية من حافة الضياع، ويضعها في أسطوانة لا لتقال بل لتبقى، ومنذ ذلك اليوم لم تتوقف البذرة عن النمو، وربما لهذا فقط كان اسمه إبراهيم.
وشهدنا معها ميلاد صوت محمد جمعة خان وهو في منتصف الأربعينيات من عمره، ذلك الميلاد الذي بدا وكأنه ولادة جديدة للأغنية الحضرمية؛ والتي كان خان أول من دونها بالصوت، ومنحها هوية محفوظة لا تضيع.
مع شيماء، لم نعد نسمع حكايات الفقر والغناء التي عاشها أساطير الغناء اليمني الحديث، بل صرنا نراها رأي العين؛ بصوتها رأينا علي عبدالله السمه وهو يمد خيوطا على تنكة بسيطة، ليصنع منها عوده الأول، لا ليجرب انغامها فحسب، بل ليشق من الفقر طريقا إلى الغناء للأرض والكرامة والحرية.
مضت بنا في لحظة فارقة رأينا خلالها إسكندر ثابت في مطلع خمسينيات القرن العشرين وهو يكسر حاجز الخوف ويزلزل عرش الإمامة: يا ظالم... ليش الظلم ذا كله.
وحين بلغ السرد الفقد والانكسار الإنساني، لم يكن صوتها يشرح المشهد أو يعلق عليه، بل كان يفتح القلب له، ويهيئ الروح لاستقباله.
لذلك بكينا معها ومع محمد مرشد ناجي في لحظة وفاة والدته، لأن صوتها كان يعرف كيف يقترب من الحزن بوقار، وكيف يترك للدمعة أن تقول ما تعجز اللغة عن قوله.
وقد بلغت شيماء ذروة التماهي مع الحكاية وهي تسرد أقسى لحظات أبوبكر سالم؛ حين سقطت بيروت، وسقط معها الحلم، والاستوديو، والفرقة، والمكتبة الموسيقية، ودخل الفنان الكبير في صمت ثقيل واعتزال امتد نحو ست سنوات، قبل أن تعيده صنعاء إلى الواجهة ويظهر أمام جمهوره بملامح جديدة وشارب جديد، حينها بدا وكأن الرجل لم يكن يعود إلى الغناء فحسب، بل يخرج من رماد حياته ليبدأ فصلاً آخر من مجده.
وبصوت شيماء أمين، لم تكن الحكايات تسمع فقط، بل كانت تتجسد، كأن الصوت نفسه قد تحول إلى صورة، وكأن الرواية لم تعد تقال، بل تعاش من الداخل.
لذلك رأينا تقية الطويلة وهي تتلقى الضرب من شقيقها، وتصارع الموت لا لتنجو بجسدها وحده، بل ليبقى صوتها حيا، يغني رغم القهر، ويقاوم رغم الألم.
وشهدنا معها كيف بدأ التعب ينهش اليد اليسرى للفنان فيصل علوي، وصارت عاجزة على ضبط المفاتيح كما كانت، فبدا المشهد كأنه لحظة احتضار للأغنية اللحجية.
وبصوتها رأينا كرامة مرسال ينهض من أقسى مراحل المرض، لا ليودع الحياة في صمت، بل ليقدم أغنيته الأخيرة، حينها كانت مليشيا الحوثي تتأهب لإسقاط الجمهورية التي طالما غنى لها.
كان الصمت يومها أسهل الخيارات، لكن كرامة لم يكن كغيره من الفنانين، بل اختار أن يضع صوته، وهو في الهامش الأخير من العمر، في صف الوطن لا في صف الخوف.
وقدمت لنا عبدالله عبدالوهاب نعمان – الفضول وهو يكتب النشيد الوطني، ثم رأينا كيف جاء أيوب طارش ليصنع من تلك الكلمات ملحمة فنية خالدة، وحين كان الفضول على فراش الموت، لم يكن يدري أن كلماته ستكتب لها حياة أخرى، فتغدو نشيدا وطنيا مرتين: مرة في زمن التشطير، ومرة في عهد الوحدة.
ومضت بنا شيماء إلى مطهر الإرياني، ذلك الرجل الذي رأى منذ سبعينيات القرن العشرين، شبح عودة الإمامة، فهب يحذر اليمنيين، ويكتب، ويصرخ: يا قافلة عاد المراحل طوال، لكن لم يصغي إليه أحد.
ثم دار الزمن دورته الثقيلة، فوقع ما خشيه، ورآه بعينيه، وانتهى به المطاف يموت في المنفى، كأن مأساة الرجل لم تكن فقط في دقة نبوءته، بل في أن وطنه لم يسمع التحذير إلا بعدما أصبح الخراب واقعا.
كانت شيماء لا تقرأ النص، بل تعيشه، تعرف متى تصمت، وكيف تلقي العبارة، وأين يتسارع الصوت، ومتى يهدأ.
كانت تشعل الحماسة فيك، وتدفعك إلى الترقب، وتمنحك الإحساس بأنك أمام صوت يعرف الطريق، حتى يبدو الصوت أحيانا كأنه قرار، وأحيانا كأنه جواب.
هكذا كان صوت شيماء أمين في "رحلة فنان": صوت لا يرافق الصورة، بل يخلق لها روحها، ولا يمر على السيرة، بل يوقظها من سباتها، ولا يكتفي بأن يروي لنا ما جرى، بل يجعلنا نقف داخل اللحظة نفسها، نرتجف معها، وننكسر معها، وننهض معها.
لقد منحت شيماء هذه السلسلة الوثائقية أكثر من صوت؛ منحتها هيبة السرد، ودفء الذاكرة، وعظمة الأثر.
جعلتنا لا نتابع سير الفنانين من الخارج، بل نعيشها من الداخل، ونوقن أن تاريخ الفن اليمني لم يكن تاريخ ألحان وأغان فحسب، بل كان أيضا تاريخ وجع ومقاومة وكرامة ووطن.
وكان صوتها، أشبه بيد رحيمة تمسك بذاكرة اليمن الفنية، وتعيد تقديمها لنا لا كأحداث عبرت وانقضت، بل كحياة ما تزال تغني، وكروح ما تزال تنبض في وجدان هذا الشعب.