الدرع النووي الأوروبي حلم الاستقلال في زمن الهيمنة الامريكية

" الدرع النووي الأوروبي " 
حلم الاستقلال في زمن الهيمنة .. 

بقلم / دعاء هزاع الجابري
 
في زمن تتبدل فيه الثوابت السياسية كسراب على صحراء المصالح ، تصبح القارة الأوروبية أمام مفترق طرق حاسم ، فقد كشفت التقلبات الأخيرة في سياسات الولايات المتحدة وبالأخص خلال إدارة " ترامب " ، هشاشة الاعتماد طويل الأمد على حليف كان يوما الملاذ الآمن ، وحول الأمن التقليدي إلى سؤال يطرح نفسه بإلحاح : هل يمكن لأوروبا أن تحمي نفسها بنفسها ؟ 

ففي أفق أوروبا المتقلب ، حيث تتشابك المصالح وتتعاظم التوترات تبدو العلاقات مع الولايات المتحدة وكأنها رقصة على حافة الخطر ، رقصة لا يمكن التنبؤ بخطواتها ولا ضمان استمرار إيقاعها ، لقد بات الاعتماد الطويل على واشنطن الذي كان يوما ما ملاذا آمنا اليوم أمرا يثير القلق ويغذي الشكوك في أوساط القادة والشعوب الأوروبية على حد سواء ، فالتقلبات السياسية الأمريكية والتحولات المفاجئة في سياسات إدارة ترامب أظهرت للعالم أن التحالفات ليست مطلقة ، وأن الحماية التي يقدمها العملاق الأمريكي قد تكون مؤقتة ورهينة لتقلبات القرار السياسي في واشنطن 

وفي هذا المناخ المشحون ارتفعت أصوات أوروبا ، خاصة من قلب " ألمانيا " ، تلك الدولة التي لطالما وقفت على مفترق الطرق بين السياسة والقوة الاقتصادية ، فقد خرج المستشار " ميرتس " بفكرة طموحة تتجاوز حدود التفكير التقليدي ، فكرة " درع نووي أوروبي مستقل " ، يحمي القارة من أي تهديد بعيدا عن النفوذ الأمريكي المباشر ، حيث لم يكن الطرح مجرد مبادرة سياسية بل انعكاسا لشعور عميق لدى المجتمع الألماني ومن ثم لدى المجتمع الأوروبي بأسره ، بأن أوروبا عليها أن تتحمل مسؤولية أمنها بنفسها وأن تبني لنفسها جسورا نحو مستقبل أكثر استقلالية واستقرارا ، لكن الطريق إلى هذا الحلم مليء بالصعاب ، فإدارة أسلحة نووية ليست مجرد مسألة سياسية بل هي فن دقيق ومعقد يتطلب نظاما مؤسسيا متينا وإدارة متقنة وموارد ضخمة ، الى جانب تنسيقا استراتيجيا يلامس أعلى درجات الدقة ، ورغم كل هذا لم تثن هذه التحديات ألمانيا ، بل جعلتها أكثر إصرارا على دفع المشروع إلى طاولة الحوار داخل حلف " الناتو " ، لمحاولة رسم خريطة جديدة للردع الأوروبي ، خريطة تعكس نضوجا سياسيا ورغبة حقيقية في الاستقلال ،
فاليوم وقد أصبح الطلب الألماني رسميا بين أعضاء الحلف تبدو أوروبا على أعتاب لحظة فارقة ، لحظة قد تعيد تعريف طبيعة التحالفات والولاءات ، إنها لحظة تدفع الأوروبيين للتفكير في مستقبلهم بأنفسهم بعيدا عن هيمنة أي قوة خارجية ، لحظة يكتشفون فيها أن القوة لا تقاس فقط بالعقود والاتفاقيات ، بل بالقدرة على اتخاذ القرار المستقل وبالوعي الجماعي للمصير المشترك
 
ربما يكون هذا الطرح مجرد بداية ، بداية لرؤية أوروبية أكثر جرأة ، رؤية تأمل في رسم سياساتها الدفاعية والاستراتيجية وفق مصالحها الخاصة دون أن تكون رهينة لتقلبات خارجة عن إرادتها ، فالحلم الأوروبي اليوم هو حلم الاستقلال ، حلم القوة الذاتية ، حلم بأن تتحول أوروبا من مجرد متلق للحماية إلى كيان قادر على صياغة مصيره بنفسه ، وأن يصبح الحلف الذي طالما كان امتدادا للنفوذ الأمريكي ، منصة للتعاون الأوروبي الحقيقي ، منصة يحكمها التفاهم والاستراتيجية المشتركة لا الهيمنة والإملاء 

وفي النهاية يبدو أن أوروبا بخطى حذرة ولكن واثقة ، تسير نحو فصل جديد من تاريخها ، فصل يسعى فيه القادة والشعوب إلى استعادة الأنف ، وإعادة رسم حدود القوة والقرار ، فصل يحمل في طياته وعدا بمستقبل أكثر استقلالية ، وأكثر قوة ، وأكثر وضوحا في زمن تتبدل فيه الثوابت بسرعة الضوء .

مشاركة الخبر:

المزيد من اراء لاتعبرعن اوراق

المزيد من الفئات الأخرى