لماذا اليمن فقير..؟ ليس السبب مايدور في عقولكم!

لماذا اليمن فقير 

التكلفة الاقتصادية لـ 107 عام من الحروب في اليمن

هذا النص يجاوب على سؤالين الاول لماذا اليمن فقير و الثاني التكلفة الاقتصادية ل ١٠٧ عام من الحروب و الفرص الضائعة

هناك أرقام يجب أن نبدأ بها لأنها تضع النقاش في إطاره الحقيقي .

خلال المئة عام الماضية عاش اليمن في حالة صراع شبه دائم . باحمالي ٨٠ عام تقريبا من الحروب المستمرة و البقية اوقات مابعد الصراعات و اكثر من ٤٧ حاكم تم تغييرهم جميعا بالقوة فمنذ حروب الإمامة في بداية القرن العشرين و السلطنات في الجنوب ، مرورا بالحرب الملكية و الجمهورية في الستينيات و القضاء على ٢٤ سلطنه في الجنوب و الشرق ، ثم صراعات الشمال والجنوب في السبعينيات مرور باحداث ١٩٨٦ في عدن  ثم حرب 1994 يليها الحروب المتكررة في صعدة ، وصولًا إلى الربيع العربي و اخيرا الحرب الكبرى التي اندلعت عام 2014 . 

أي أن اليمن عمليًا عاش قرنًا كاملًا دون فترة استقرار طويلة تسمح بتراكم اقتصادي طبيعي.

لماذا اليمن فقير؟

حين يطرح سؤال فقر اليمن غالبا ما تتحول الإجابات بسرعة إلى خطاب سياسي أو عاطفي ( الحرب ، الفساد ، التدخل الخارجي ، فشل الحكومات الوحدة )  لكن إذا أزلنا الضجيج السياسي و الاعلاني ونظرنا إلى المسألة بمنهج اقتصادي بحت ، سنجد أن فقر اليمن ليس نتيجة حدث واحد ولا عقد واحد من الزمن ، بل نتيجة مسار اقتصادي طويل يمتد قرونا ، تشكلت فيه بنية اقتصادية هشة غير قادرة على إنتاج التراكم الصناعي - التجاري - الخبرة و المعرفة التراكمية المطلوبة لنهوض بلد . 

لفهم هذه المسألة يجب البدء من القاعدة العلمية للاقتصاد . أي اقتصاد قادر على إنتاج الثروة ( وايس اقتصاد ريعي ) يحتاج أربعة عناصر أساسية : رأس مال بشري منتج ، قاعدة إنتاجية مستقرة ، مؤسسات دولة قادرة على التنظيم ، وسلاسل إمداد تربط الإنتاج بالأسواق . المشكلة في اليمن أن هذه العناصر الأربعة لم تجتمع في الوقت نفسه تقريبا خلال القرنين الماضيين لاسباب  .

أولًا ضعف القاعدة الإنتاجية

أكبر مؤشر علمي على فقر أي دولة هو ضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج القومي . الاقتصادات التي تخرج من الفقر تعتمد عادة على ثلاثة قطاعات رئيسية : الزراعة الحديثة ، الصناعة التحويلية ، والخدمات اللوجستية . اليمن تاريخيًا لم ينجح في بناء أي من هذه القطاعات بشكل مستقر ولا حتي القطاعات المساعدة للقطاعات الانتاجية مثل الكهرباء . الزراعة في اليمن بقيت زراعة تقليدية منخفضة الإنتاجية تعتمد على الأمطار والمياه الجوفية المحدودة . أكثر من 90٪ من المزارع اليمنية صغيرة ومجزأة ، وغالبا أقل من هكتارين ، وهو حجم غير قادر على إنتاج فائض اقتصادي كبير . و المساحات الشاسعة في تهامة و قاع جهران و الجوف و مارب و شبوة و حضرموت و المهرة جميعهم لا يملكون الخبرة و الموارد البشرية و المالية للزراعه الحديثة . 

الصناعة التحويلية تكاد تكون غائبة . في معظم الدول النامية تمثل الصناعة ما بين 20٪ إلى 30٪ من الناتج القومي، بينما في اليمن لم تتجاوز 7٪ في أفضل السنوات قبل الحرب .  رغم وجود سوف داخلي كبير و اسواق جوار كبيرة ولكن الصناعات التحويليه كانت غائبة في اليمن رغم المحاولات الخجوله شمالي و جنوبا وحتي في دوله الوحدة ولكن جميعها فشل .  أما الخدمات اللوجستية والمواني فبقيت محدودة رغم الموقع الجغرافي الاستثنائي لليمن على واحد من أهم طرق التجارة العالمية و رغم استلام ميناء عدن من بريطانيا كاحد اهم و انشط المواني في العالم ولكن للاسف دمرت ، حتي المواني الجوية لم تستطيع اليمن بناء مطارات و خدمات لوجستية رغم موقعها الممتاز اللذي يسمح لها بالمنافسة الدولية بقوة في هذا المجال 

ثانيًا
انهيار التراكم الاقتصادي عبر الأجيال ، في الاسبوع الماضي كتبت نص شامل لشرح كيف دمرت الصناعه في اليمن و للتلخيص فان التنمية الاقتصادية لا تحدث في جيل واحد، بل عبر تراكم مستمر يستمر خمسين إلى مئة عام. اليابان بدأت نهضتها الصناعية في القرن التاسع عشر، وكوريا الجنوبية احتاجت أربعة عقود كاملة لبناء اقتصادها الحديث . اما تركيا فقد كانت في قلب الاحداث الاقتصادية الدولية و الزائر لتركيا يجد شركات و مصانع عمرها يتجاوز ١٠٠ عام ، اما عربيا فمصر و المغرب خير مثالا للتراكم الاقتصادي و الخبرات البشرية و المعرفة المتوارثة ، حتي الاردن اللتي بدات قريبا و من الصفر تقريبا كدوله أنشأت بعد الحرب العالمية الاولي الا انها تتقدم للامام رغم وضعها اللذي يجعل تنمية اقتصادية صعبة فيها . 
اما اليمن فقد تعرض لانقطاعات متكررة في هذا التراكم . خلال القرن العشرين و الواحد و العشرين و بعضها تعتبر صدمات كبري للاقتصاد اليمني تعيده للصفر كل مرة و من هذة الصدمات الكبرى :

١- الامامة و الحرب الملكية الجمهورية في الستينات استمرة هذة الصدمة منذ ١٩١٩ الي ٢٠٢٦ ولم يحسم هذا الصراع الي اليوم 
٢- التأميم والصراعات السياسية في الجنوب في الستينات و السبعينات و الثمانينات حتي اليوم ما يقارب من ٦٣ عام تقريبا متواصله
٣- الحروب القبلية اللتي يهملها الكثير وهي صدمه لا تقل عن الصدمتين السابقتين حيث انها مستمرة منذ الحرب العالمية الاولي الى اليوم 
٤- الايديلوجيات العابرة للحدود ، مثلت صدمه للاقتصاد اليمني مثل الاشتراكية و القومية العربية ثم الصحوة الاسلامية و الربيع العربي و نهاية بالصراع السني الشيعي ، جميع الايديلوجيات العابرة للحدود مثلت صدمات متتابعه للاقتصاد اليمني  وصول للحرب الكبري عام ٢٠١٥ حتي اليوم . كل صدمة من هذه الصدمات كانت تعيد الاقتصاد إلى نقطة البداية تقريبا ، مما يعني أن أي تراكم اقتصادي كان يُمحى قبل أن يتحول إلى بنية إنتاجية مستقرة .

ثالثا
النزيف الديموغرافي لرأس المال البشري

من أخطر المؤشرات الاقتصادية التي نادرا ما تُناقش في اليمن هو الهجرة المستمرة للعمالة الماهرة . منذ منتصف القرن العشرين شهد اليمن موجات هجرة كبيرة شملت تجارا وحرفيين وعمالًا مهرة و مهندسين و دكاترة و رجال اعمال ، جميع هذة الهجرات مثلت نزيف اقتصادي منع وجود تراكم صناعي و مالي في اليمن ،كو الهجرات كانت لاسف دائمه وليس مؤقته ،  سواء كانت داخليه او خارجيه ووصل اجمالي الهجرات منذ ١٩١٩ حتي اليوم ربما يصل الي نصف سكان اليمن . و عدد هذة الهجرات كالاتي : 

١- عهدة الامامه مثلت اول هجرة في العصر الحديث جزء منها كان داخليا الي عدن و القسم الاكبر كان خارجي الي دول الخليج و اثيوبيا ثم هجرة اليهود اليمنيين عام 1948 أدت إلى فقدان قطاعات كاملة من الحرف والصناعات الصغيرة ، خاصة في صياغة الذهب والفضة وصناعة الأدوات الدقيقة .
٢- هجرة رجال الاعمال و رواد الصناعات اللوجستية من جنوب اليمن في الستينات مع التاميم و سيطرة الحزب الاشتراكي على الحكم . 
٣-  ثم جاءت موجات الهجرة العمالية إلى الخليج منذ السبعينات ، حيث أصبح ملايين اليمنيين يعملون خارج البلاد بدلاً من بناء اقتصاد داخلي .
٤- الهجرة العظيمة وهي مع بداية الحرب الكبري عام ٢٠١٥ حيث بلغ عدد اليمنيين اللذين هاجروا ٥ ملايين خارج اليمن و ٦ ملايين هجرة داخلية تقريبا . 
اليوم يقدر عدد اليمنيين في الخارج بنحو مايقارب ١٤ مليون ، منهم سته مليون مازلوا يحملون الجواز اليمني نتيجه للهجرة العظيمة و ربما ٨ ملايين من اصول يمنيه هاجروا خلال اخر ١٠٠ عام من اليمن ، وهو رقم ضخم مقارنة بحجم السكان . هذه الهجرة حولت الاقتصاد اليمني إلى اقتصاد تحويلات مالية بدلاً من اقتصاد إنتاج صناعي و مالي  .

رابعا ضعف المدن الاقتصادية

التاريخ الاقتصادي يظهر أن المدن هي محركات الثروة . المدن الكبيرة تنتج الابتكار، تجمع رأس المال  وتخلق شبكات التجارة والصناعة و الخدمات و المعرفة التراكميه . امت في اليمن بقيت المدن صغيرة وضعيفة . حتى أكبر المدن اليمنية مثل صنعاء وعدن وتعز لم تتحول إلى مراكز صناعية كبرى . السبب ليس فقط ضعف الاستثمار، بل طبيعة الاقتصاد التقليدي الذي بقي قائما على الريف والقبيلة أكثر من قيامه على المدن والأسواق .

خامسا غياب الدولة الاقتصادية

الدولة الحديثة ليست مجرد حكومة سياسية ، بل مؤسسة اقتصادية تنظم السوق وتحمي الملكية وتبني البنية التحتية . في معظم الدول التي خرجت من الفقر لعبت الدولة دورا مركزيا في بناء الطرق والمواني والتعليم الصناعي . اما اليمن لم يمتلك لفترة طويلة دولة مستقرة قادرة على القيام بهذا الدور. فترات الاستقرار السياسي كانت قصيرة ومتقطعة ، وغالبًا ما كانت مؤسسات الدولة ضعيفة أو منقسمة او لا تحمل رؤية . و الاسوأ هو البداية دائما من الصفر كل مرة و احيانا من تحت الصفر كما هو الحال اليوم في اليمن ، و في افضل الاحوال اذا اخذنا العام ٢٠٠٤ تقريبا فان الاقتصاد كان يتمحور حول القطاع العام و النفط و المساعدات و اخيرا المغتربين و لم يكن هناك قطاع صناعي حقيقي الا محاولات خجوله في تعز لمجموعه بيت هائل سعيد انعم . اما القطاع المالي فلم يكن هناك بنك واحد يستطيع استيعاب وديعه خارجيه بمليار دولار شريطة اعادتها وقت الطلب فجميع اصول البنوك اليمنيه مجتمعه الحقيقة لم تصل لهذا الرقم و ربما نصف وديعه بمليار دولار . 

سادسا الاقتصاد الريعي المحدود
تم شرح هذة الجزئية بالتفصيل في نص ( مشكله المرتبات و نص الاخوان و الافكار اليسارية في اليمن ) ، و ملخصها بان جميع الانظمه في اليمن تحمل افكار يسارية اقتصادية و تركز على إيرادات النفط اليمني و المساعدات الخارجية و ارسال اليمنيين للعمل في الخارج وليس خلق ثروات مالية داخل اليمن ، و بالرغم من ذلك فان الصناعات النفطية في اليمن كانت متاخرة لعقود طويله عن جيرانها رغم وجود مصفاه في عدن ولكن في أفضل سنواتها لم تتجاوز بضعة مليارات دولار سنويا ، وهي أرقام صغيرة مقارنة بالدول النفطية الأخرى في المنطقة. و توزع هذا الدخل عبر التوظيف الحكومي المبالغ فيه حيث وصل العدد اليوم الي اكثر من ٣ مليون اسم مسجل في القطاع الحكومي ( كشف ٢٠١٤ مليون و نصف + كشوفات حكومه صنعاء و الشرعيه و الانتقالي و الساحل بعد الحرب الكبري ٢٠١٥ )  و خلاصة هذا البند ان اليمن لم يمتلك مصدر دخل ريعي قادر على تمويل التحول الاقتصادي الكبير ولا سد حاجه الشعب .

سابعا  انقطاع اليمن عن شبكات التجارة العالمية

اقتصادات الدول تزدهر حين تكون جزء من شبكات التجارة العالمية. سنغافورة ودبي وماليزيا أصبحت مراكز اقتصادية لأنها تحولت إلى عقد لوجستية للتجارة . اما اليمن و رغم موقعة على باب المندب ، إلا أن هذا الموقع لم يتحول إلى اقتصاد لوجستي حقيقي . المواني اليمنية لم تُطور بالشكل الذي يسمح لها بأن تصبح مراكز إعادة تصدير أو تصنيع مرتبط بالتجارة . النتيجة أن اليمن بقي على هامش الاقتصاد العالمي بدل أن يكون جزءًا نشطًا منه .

الخلاصة

فقر اليمن ليس لغزا اقتصاديا غامضا ، بل نتيجة واضحة لعدة عوامل بنيوية اجتمعت عبر الزمن: ضعف القاعدة الإنتاجية ، انقطاع التراكم الاقتصادي ، هجرة رأس المال البشري ، ضعف المدن ، غياب الدولة الاقتصادية ، محدودية الموارد الطبيعية ، والانفصال عن شبكات التجارة العالمية . حين تجتمع هذه العوامل في أي بلد فإن النتيجة تكون اقتصادًا هشًا غير قادر على إنتاج الثروة بشكل مستدام .

ولهذة الاسباب لا يمكن فهم فقر اليمن بوصفه مشكلة سياسية مؤقتة ، بل بوصفه نتيجة مسار اقتصادي طويل يحتاج إلى إعادة بناء عميقة تبدأ من الأساس : الإنسان المنتج ، المدينة الاقتصادية  والدولة القادرة على حماية التراكم عبر الأجيال .
لم يعد السؤال الحقيقي كم خسر اليمن من المال في هذه الصدمات ؟ بلالسؤال كم خسر اليمن من المستقبل ؟ و يمكن اختصارها بان اليمن اليوم الناتج القومي له لا يزيد عن ١٥ مليار دولار يجعله ثاني افقر بلد في العالم بعد ان كان ٣٢ مليار دولار عام ٢٠١٤ و لو لم يتعرض للصدمات الاقتصادية لكان ناتجه القومي اليوم يتجاوز ٤٨٠ مليار دولار سنويا . 

عبدالكريم العواضي..

لايمثل ذلك رأي الموقع و رئيس التحرير ..

مشاركة الخبر:

المزيد من الاخبار اليمنية

المزيد من الفئات الأخرى