معجزة في صنعاء من رحم الحصار: عامٌ على "الآلية الاستثنائيّة… قانون الإنصاف" للموظف والمودع

‏معجزة من رحم الحصار: عامٌ على "الآلية الاستثنائيّة… قانون الإنصاف" للموظف والمودع

في مثل هذا اليوم من العام الماضي، حينما طرقت مطرقة رئيس مجلس النواب الشيخ يحيى الراعي منصة البرلمان في الثالث من ديسمبر 2024، لم تكن تلك الضربة تعلن عن إقرار قانون فحسب، بل كانت تكسر عزلة طويلة حاصرت ملف الرواتب والمودعين، وتشق نافذة ضوء في جدار حرب اقتصادية خانقة. لقد أُقرّ "قانون الآلية الاستثنائية المؤقتة لدعم فاتورة مرتبات موظفي الدولة وحل مشكلة صغار المودعين" بإجماع وطني نادر، وبإسناد واضح من المجلس السياسي الأعلى، وباهتمام مباشر وتوجيهات ومتابعات مستمرة من السيد القائد يحفظه الله، وبدعم تنفيذي كامل من حكومة التغيير والبناء؛ ليبدأ مسار إنقاذي يكتب فصلاً مختلفاً في حياة الناس.

لفهم عظمة ما حدث قبل عام، يجب النظر إلى السياق الذي سبق لحظة التصويت. كان اليمن يقف على أخطر نقطة في السلم الاقتصادي: حرب مفتوحة، حصار خانق، نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن، وانعدام شبه كامل للموارد النفطية والغازية التي كانت تمثل أكثر من 75% من إيرادات الدولة قبل العدوان. ومع هذا "الصفر الوطني" من الموارد الخارجية، كان السؤال يتردد في كل بيت: كيف ستدفع الدولة رواتب مئات الآلاف من الموظفين؟ وكيف ستنقذ مدخرات الناس التي جمدتها أزمة السيولة؟ هنا جاءت المعجزة؛ إذ راهنت حكومة التغيير والبناء على هندسة مالية داخلية شديدة التعقيد، جمعت فيها كل مورد ممكن، ووجهته نحو الهدف الأول: حماية الإنسان.

إنصاف الموظف لم يكن مجرد بند قانوني، بل كان خطوة عملية وواقعية لحماية العمود الفقري للدولة. تشير التقديرات إلى أن انقطاع المرتبات مسّ معيشة ما يقارب سبعة ملايين يمني. ومنذ بدء تنفيذ الآلية، استطاعت الدولة—ورغم الحرب والحصار—توفير المرتبات شهرياً لما يقارب ٣٠٠ ألف موظف/أسرة وعلى مدى ١١ دورة صرف متتالية، وهو ما أعاد استقراراً نسبياً وشكّل دعمًا مباشرًا لمئات الآلاف من الأسر التي تعتمد على الراتب كمصدر أساسي للمعيشة. هذا التدفق النقدي ساهم في إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية البسيطة ومنع انهيار اجتماعي كان قاب قوسين أو أدنى.

أما صغار المودعين، فهم الوجه الأكثر حساسية في هذا الملف. لم يكونوا رجال أعمال ولا أصحاب استثمارات، بل مواطنون وضعوا جهد العمر في حسابات جمدتها الحرب. وقد استفاد حتى الآن من برنامج تسديد الدين العام نحو ٢٥٠ ألف مودع صغير، واستعادوا جزءاً من حقوقهم، وأُعيدت إليهم الثقة تدريجياً بالقطاع المصرفي بعد سنوات طويلة من القلق.

سر هذا الإنجاز لم يكن في نصوص القانون وحدها، بل في التكامل المؤسسي الذي قادته الدولة. ففي جلسة البرلمان تلك، غابت المناكفات وحضر الوطن. التزم وزير المالية عبدالجبار أحمد آنذاك بتنفيذ القانون بكل تفاصيله، وعمل مع لجان البرلمان، بتنسيق مباشر مع المجلس السياسي الأعلى، وتحت متابعة يومية من السيد القائد. ومن بين كل هذه الجهود وُلد انسجام جعل من القانون أداة تنفيذية فاعلة، لا مجرد وثيقة مركونة على الرف.

ومع مرور عام، يتضح أن الاختبار الحقيقي لم يكن يوم إقرار القانون، بل ما تلاه. ففي أشد مراحل الحصار والعدوان الاقتصادي، استمرت الآلية. لم تتوقف رغم الضغط، ولم تتعثر رغم ضيق الإيرادات، ولم تُدفن رغم محاولات خنق الاقتصاد الوطني. هذا الثبات لم يكن إجراءً مالياً فقط، بل موقفاً وطنياً واضحاً: الدولة، بكل مؤسساتها، تتعامل مع ملف الرواتب والمودعين كالتزام لا يسقط مهما كانت الظروف.

واليوم، ونحن على أعتاب الذكرى الأولى، يمكن القول إن القانون لم ينهِ الأزمة تماماً—فالحرب الاقتصادية مستمرة—لكنه نجح في منع الانهيار، وصنع مساراً مختلفاً، ووضع حجر الزاوية لمرحلة التغيير والبناء التي يقودها المجلس السياسي الأعلى وتتابع تنفيذها حكومة التغيير والبناء. لقد حوّل القانون الصمت إلى قرار، والجمود إلى حركة، والانتظار إلى بداية مسار تصحيح اقتصادي يتشكل خطوة بعد أخرى. وبكل وضوح قال: المواطن أولاً… والدولة—رغم الحرب والحصار—لن تتخلى عنه.

وعلى أن ما تحقق عبر الآلية الاستثنائية يمثل إنجازا وطنيا فرضته الضرورة وإرادة الصمود، فإن ذلك لا يُسقط بحالٍ من الأحوال المسؤولية القانونية والأخلاقية عن دول العدوان المشاركة في الحرب على بلادنا، والتي ما تزال تسيطر على إيرادات النفط والغاز، وهي الموارد التي كانت تكفي لتغطية فاتورة مرتبات جميع موظفي الدولة قبل العدوان. وإن حقوق الموظفين ليست منّة من أحد، بل التزامٌ واجب السداد، وستظل هذه الحقوق دينًا ثابتًا في ذمة دول العدوان، يشمل المرتبات والتعويضات الكاملة عن سنوات الحرمان والمعاناة. وبينما تمضي الدولة في صنعاء في أداء واجبها بما تملك من إمكانات، يبقى الحق أكبر، والعدالة مؤجلة لكنها لا تسقط بالتقادم.

مشاركة الخبر:

المزيد من الاخبار اليمنية

المزيد من الفئات الأخرى