صحيح أن المزاج السياسي لأكثرية المتحاورين في مؤتمر الحوار السياسي اليمني وكذا الاتجاه العام يسير في إقرار الفدرالية ، والجدل تمحور فقط في إقليمين أو أكثر من إقليم ، وكأن هموم ومشاكل اليمن قد انحصرت في عدد الأقاليم .!
وعليه فقد نجح النظام الألماني الاتحادي استناداً إلى الثقافة السياسية الألمانية الاتحادية المعمرة، وإلى غنى الشمال ووسائله الضخمة التي وضع القسم الأكبر منها في إعادة تأهيل ألمانيا الشرقية التي كان تخضع لمعايير النظام الاشتراكي ، وهو ما تفتقر إليه اليمن التي فقدت مع الربيع العربي كتلتها الشمالية والجنوبية المختلطة التي ربحت حرب العام 1994، فبدلا من معالجة آثار تلك الحرب الظالمة فقد اتجه النظام لسلسلة من التجاوزات والفساد متزامنا مع سياسة الإقصاء والتهميش والاستفراد بالسلطة وظلم كل اليمنيين فضلا عن الاتجاه للتوريث ، ناهيك على ان اليمن تفتقر للأموال التي سترفد الفدرالية المنتظرة فكل ما كان عدد الأقاليم أكثر تزداد تكاليفها وتتعقد إدارتها ، وفي هذه الحالة في حال قبول أهون ألشّرين على أساس إقليمين قد يكون له ميزاته على الأقل الحفاظ على يمنين بدلا من تشرذم محتمل ، وهنا تستوقفني قصة الآمرتان اللتان تنازعتا على أمومة طفل فقررتا الاحتكام لدى ألنبي سليمان. سمع سليمان حجج المرأتين وكلتيهما يدعيان أمومة الطفل فنادى على سياف وأمره بشق الطفل إلى نصفين ليحل الخلاف، فاضطربت والدة الطفل الحقيقية وسألت سليمان أن لا يقتله ويعطيه لغريمتها بينما كان رد الأخرى جافا ووافقت على شق الطفل لكي لايكون لأيهما. حينها علم سليمان أيهم أم الطفل الحقيقية وهي تلك التي آثرت أن تفقد طفلها على أن تراه يقتل!
وفي هذا دلالات ومغازي لمدى الولاء الوطني الذي نفتقره والذي ضاع بين هوس السلطة وعدم الإيثار والنرجسية لدى المتحكمين على المشهد السياسي اليوم والذي قد يفضي للتقزيم والتقسيم المحقق. وحتى لو فرض جدلا اقرار اي حل فدرالي فلو كان مبني على اجمع فليس في ذلك مضض ، بالعكس سيكون معبرا عن حالة توافق.
ومن هنا تقتضي الضرورة امتصاص نزعة البعض من الفصائل الجنوبية من اجل السلطة بمناصفتهم في المراكز السيادية لسنوات محددة لحين تستقر الأمور .
اللافت أيضا بأن أدبيات الحوار الوطني منذ نحو تسعة أشهر تفتقر بالفعل إلى أي إرادة للمصالحة الحقيقة الذي لم نجد بصماته لدى سلوك المتحاورين أنفسهم بدليل ان أجواء التوتر لازالت متصاعدة وعليه فهل استفاد اليمنيون من تجارب سابقة في تاريخ اليمن الحديث وكذا في نماذج مشابهه ، كالمصالحة بين الملكيين والجمهوريين في نهاية الستينيات من القرن الماضي ، ربما كان الجيل الأول أكثر وطنية وشعوراً بالمسئولية التاريخية وتفهما من المتحاورون حاليا ، رغم أن الدور الخارجي مشترك في كلا الحالتين، وتختلف الأمور هذه المرة أن اليمنيون مكبلين بمبادرة ملغمة فكلما خطو خطوة تشدهم النصوص ناهيك عن غياب مبدأ الإيثار والتضحية والوطنية بعد ان طغت عقدة التسلط والإقصاء وتشخيص القضية لعداء أقطاب الصراع أنفسهم ، فكيف لنا أن نتوقع حلولاً ناجعة ممن كانوا سببا في هذه المشاكل المتلاحقة ، فلوا كان النظام السابق قد أرسى أسس دولة مدنية لما حدث كل هذه التعقيدات المتداخلة أصلا!
اليمنيون اليوم على مفترق طرق ذلك أن حل كل هذه المعضلات تكمن في قناعة المتحاورين بجدوى ومغزى الحوار والذي يتبلور كل رؤى تلك النخب في توافق على صيغة تجمع اليمنيون على كلمة سواء للخروج بتوافق لعقد اجتماعي جديد ينظم أسس الدولة المدنية التي يتساوى فيها اليمنيون في الحقوق والواجبات يسودها العدل والمساواة فلا إقصاء ولا تهميش دولة تبسط نفوذها في كل أرجاء اليمن لتنشر الأمن والأمان والاستقرار لتبدأ عجلة التنمية والسياحة وجذب الاستثمار ، ذلك أن أي ثورة تنشد التغيير تتمحور التحولات في إيجاد صيغة تشريعية تحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم بعد عقود من الاستبداد والحكم المطلق في صيغة تحالف العسكر مع القبيلة وبقية مراكز القوى الطفيلية ، وليس من المنطقي ان تنتهي في تهافت الساسة من اجل الاستحواذ بالسلطة آو التقسيم والتقزيم الذي سيزيد الطين بله ويدخل اليمن في سلسلة من الخلافات والتعقيدات نحن في غنى عنها .