شن الدكتور قائد غيلان هجوما نقديا على شاعرين يمنيين أحدهم في صنعاء واالاخر خارج اليمن ..الاوراق تعيد نشرها نقلا عن حسابه في الفيس بوك.
حيث قال ((لا يستطيع الشاعر اليمني حالياً أن يبدع خارج الأغراض التقليدية للقصيدة العربية، لقد حبس نفسه مرّتين، مرّة باختيار الشكل التقليدي، ومرّة بالأغراض والموضوعات المكررة، لقد استمعت مؤخرا إلى قصيدتين؛ قصيدة للشاعر يحيى الحمادي في ذكرى المقالح، وقصيدة الشاعر عبد الواحد عمران في برنامج أمير الشعراء، غرقت قصيدة الحمادي في النثرية والمباشَرَة في أكثر أبياتها ذلك لأنه مقيَّد بموضوع ومناسبة فغلب عليها طابع شعر الحكمة، وهو نسج عقلي بعيد عن الشعرية:
فصاحِبُ الرُّوحِ -رَغمَ الحِرصِ- فاقِدُها
ورافِـعُ الرّأسِ -مهمـا عـاشَ- طارِحُـهُ
وخَشيَـةُ المَوتِ، مَوتٌ، لا عَـزاءَ له
لا يَأمَـنُ المَـوتَ إِلَّا مَـن يُصـالِحُـهُ
ما أَبعَـدَ المَوتَ مِمَّن يَحلمُـونَ به
وأَبعَــدَ العَيـشَ مِمَّـن لا يُبــارِحُـهُ
مَوتُ ابنِ حَـوَّاءَ إِحدَى الرّاحَتَينِ له
فكيف يَشتاقُ طولَ العيش، كادِحُـهُ!
مِـن رَحمــةِ اللهِ أَنَّـا لا نَعـيـشُ إِلى
أَن تأكلَ الحَـيَّ في الدُّنيا رَوائحُـهُ
هذه الأبيات تسوق لنا بعض الحكم التي لا ترقى إلى الشعر، فالحكمة نشاط عقلي يفتقر إلى الخيال، فهي أفكار مجردة من الإبداع و"المعانى مطروحة فى الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني" حسب الجاحظ، فلا نحتاج شاعرا بحجم الحمادي يأتي ليقول لنا إن الموت نهاية كل حي، وأن الموت راحة أبدية، فذلك كلام نسمعه من العجائز كل يوم.
ومادام القصيدة قصيدة "رثاء" فلابد أن تذكر مناقب المتوفى، والرثاء مديح من نوع آخر، هو مديح لكنه في شخص متوفى:
يا أَكرَمَ الناسِ إِنصافًا.. وأَبخَلَهُـم
عَـداوَةً.. في زَمـانٍ قَــلَّ صالِحُـهُ
أَنتَ الـذي استَوقَدَتنـا أَبجَدِيَّـتُــهُ
جِيلًا على السَّطرِ لا تَخبُو قَرائحُـهُ
وأَنتَ مَن عاش يَسخُو دون مَصلَحةٍ
إِذ لم تكن -غيرَ أَن نَرقَـى- مصالِحُـهُ
كم كاتِبٍ كنتَ جِسرًا لِانطلاقتِـهِ
وباحِثٍ كنتَ أَوفَى مَن يُطارحُـهُ
وطالِبٍ كنتَ أَحنَى مِن أَبيهِ، إذا
رَآكَ -مِن قبلِ أَن تُـدعَى- تُفاتِحُـهُ
وشاعرٍ كان يَحبُو، فاهتَـدَيتَ إِلى
جَناحِـهِ، فهو زاهِي الرِّيشِ، جامِحُـهُ
كنا نَرَى الشِّعـرَ أَطيـافًا وأَخيِلَـةً
حـتى وَجَدنـاهُ إِنسـانًا نُصـافِحُـهُ
وها هو اليومَ يَنأَى نافِضًا يَدَهُ
كأنه قاعَ نَهرٍ جَـفَّ ناضِحُـهُ
ما إِنْ فَقَدناكَ، حتى قال قائِلُنا:
من يُرجعُ الشِّعرَ، والنائي (مَقالحُـهُ)!
لا نطلب من الحمادي أن يبدع وهو يكتب قصيدة رثاء، فهو مقيَّد بموضوع ومناسبة، وكان الأحرى به أن يستثمر المناسبة لقول شيء آخر بعيد عن الرثاء التقليدي والبكاء على الميت وذكر محاسنه، حتى أنه قد اختار حرف الروي ليتطابق مع اسم الفقيد (مقالحُه)، وهذا قيد آخر يقيِّد الشاعر والقصيدة، أن تختار حرفا من اسم المتوفى وتربط قصيدتك ومعانيها وألفاظها به فهو قيد يضاف إلى قيود الوزن والقافية والموضوع والمناسبة، وهو مما ساعد في إغراق القصيدة في النثرية:
يا داعيًا لِاعتِنـاقِ الحُبِّ، في وَطَـنٍ
منذ (امرِئِ القَيسِ) لم تَهدَأ "قَوارِحُـهُ"
وساعِيًا لِانعِتـاقِ العَقـلِ؛ ما سَئِمَت
يَومًا مَساعِيـهِ، أَو كَلَّت مفاتِحُـهُ
مِيراثُكَ اليومَ تَزهُـو الجامعاتُ به
والمَكتباتُ، ولكن.. أَين طامحُـهُ؟!
آثَرتَ بالنّفسِ شَعبًا، واحتَمَلتَ أَذى
أَعدائِـهِ.. وهو لَاهِي البالِ، سارحُـهُ
ما كنتَ تَرجُـوهُ إلَّا صَونَ موطنِهِ
مِن قبل أن تُرجِعَ الموتى ضَرائحُـهُ
هذا نثر ليس فيه من الشعر إلا الوزن والقافية، رسالة كان يمكن أن يقولها الشاعر في منشور فيسبوكي، وحتى لو كانت في منشور فيسبوكي سيكون ركيكا، أين الإبداع في قولي مثلا إن المقالح أنشأ الجامعات وكان يدعو إلى الحب والجمال وإنه أمضى عمره يدافع عن مكاسب الوطن وينأى بنفسه عن المكاسب الشخصية. ثم يعود الشاعر إلى الحكمة:
فعاشقُ الجَهـلِ، مَفتوحُ الفؤادِ له
مُدافـعٌ عنه، مهما احتالَ ناصِحُـهُ
ولا يَرى الظُّلمَ ظُلمًا، فهو يُلبِسـهُ
قَـداسـةً، كُلَّما ازدادت قَبائحُـهُ
وأَقبَـحُ الناسِ ظُلمًا "دون مَقـدرةٍ"
مَن يَمنحُ الظُّلمَ عُـذرًا، أَو يُسامِحُـهُ
وهذا شعر يليق بالإمام الشافعي ولا يليق بشاعر مبدع مثل الحمادي يكتب قصيدته عام 2024. ويستمر في أبيات الحكمة، والقصيدة، أيُّ قصيدة، كلّما اقتربت من الحكمة ابتعدت عن الشعر:
بالعِلمِ والمـالِ تَبنِـي مَجـدَها أُممٌ
لا بالشعاراتِ، أَو مَن صاحَ صائِحُـهُ
والجَهلُ والفَقرُ في شَعبٍ إذا اجتَمَعـا
فإِنَّ أَتعَـسَ عَقــلٍ فيـه رَاجِـحُـهُ
كم هذه الأَرضُ حُبلَى بالنعيمِ، وكم
إِنسانُهـا في شَقـاءٍ لا يُراوحِـهُ
نامُوسُـهُ بين خَلقِ اللهِ منكـسرٌ
وعَيشُـهُ مُكفَهِـرُّ الوَجـهِ، كالِحُـهُ
لا يَبـلـغُ الـزادَ إلّا دافِعًا دَمَـهُ
أَو يُبصِرُ المالَ إِلّا وهو مانِحُـهُ
وما له مِن طُمُـوحٍ غَيرُ لُقمَتِـهِ
ما أَهوَنَ الشعبَ إِن هانَت مَطامِحُـهُ
الوزن والقافية والموسيقى لا تجعل الكلام شعرا، وشعر الحكمة مجرد كلام عقلي ومنطقي مقدَّم في قالب شعري، فهو يشبه الشعر شكليا لكنه مجرد نظم يتشبّه بالشعر.
قصيدة الحمادي هذه تسجل تراجعا إبداعيا في الشعر اليمني عامة وفي شعر الحمادي على وجه الخصوص.
بالأمس سمعنا قصيدة عبدالواحد عمران في برنامج أمير الشعراء، وهو تراجع آخر، أن يذهب شاعر من اليمن محمَّلا بكل هموم الوطن ويكتب قصيدة في التغني بـ "أبو ظبي" التي يطمح في نيل جائزتها فذلك هبوط بالقصيدة من مكانتها العالية أو على الأقل هبوط في سجل الشاعر الإبداعي. لقد ظهر عبدالواحد عمران شاعرا متمكنا في قصيدته تلك، لكنه وظّفها في موضوع تم اختياره على أساس نفعي، وهو نوع من الشعر حسب ابن قتيبة:" ضرب منه حسُن لفظه وحلا، فإذا أنت فتّشته لم تجد هنا فائدة في المعنى". لقد شهدت القصيدة العربية "صحوة" إبداعبة على يد الحمادي ورفاقه من الشعراء اليمنيين الشباب، وها هي تعود إلى كبوتها مرّة أخرى. ))